مولي محمد صالح المازندراني
98
شرح أصول الكافي
( برحمته ) من أظلّه فلان إذا دنا منه ، كما في الصحاح أو يسترهم بها ويلقي ظلّها عليهم كما في المغرب . ( فيعمّك معهم ) لأنّ الله سبحانه كريم ، فإذا نظر إلى جماعة بعين الرحمة رحمهم وغفر لهم جميعاً ، وإن لم يكن بعضهم مستحقّاً لها وهذا أحد التأويلات لقوله ( صلى الله عليه وآله ) : « أهل الخير لا يشقى جليسهم » وقول أمير المؤمنين ( عليه السلام ) : « قارن أهل الخير تكن منهم » وينبغي أن يعلم أنّ في مجالسة الذاكرين ومخالطة الصالحين منافع كثيرة غير هذه الثلاثة ، ولكن جلّها بل كلّها راجعة إلى هذه الثلاثة ، ولذلك اقتصر معدن الحكمة عليها . ( وإذا رأيت قوماً لا يذكرون الله ) في إيراد « أنّ » في السابق و « إذا » هنا تنبيه على قلّة الذاكرين وعدم تحقّق وجودهم وكثرة الغافلين واشتهارهم . ( فلا تجلس معهم ، فإن تكن عالماً لم ينفعك علمك ) لأنّ أعظم منافع العلم هو الذكر والفكر والاتّقاء من مواضع التهمة والامتياز عن الغافلين والتباعد من الجاهلين ، ولا ريب في أنّ هذه المنافع تنتفي بالمجالسة معهم ، وإن شئت زيادة توضيح فنقول : يجب عليك بعد تحصيل السعادة الأبدية واقتناء العلوم الحقيقية والمعارف اليقينية واكتساب النواميس الإلهيّة ضبطها وطلب استمرارها وزيادتها واستبقاء صحّة النفس المتحلّية بها كما يجب على الأصحّاء حفظ صحّة أمزجتهم ممّا يوجب فسادها وتغيّرها . ومن جملة القوانين لحفظك صحّة النفس الفاضلة بالفضائل المذكورة أن تعاشر من هو مثلك في الفضل أو هو أفضل منك وتجتنب عن الجهلة المشغوفين بالغفلة والجهالة والغافلين عن الحضرة الربوبيّة خصوصاً عمّن اشتهر بالشرّ والفساد واستعلن الاستهزاء والافتخار وافتخر بإصابة القبائح والشهوات ونيل الفواحش واللذات ونسج الأكاذيب والحكايات ونقل الأشعار والمزخرفات فإنّ في مشاهدة أمثال تلك واستماعها تأثيراً عظيماً في انتكاس النفس وانعكاسها عن المبادئ العالية فربّما يتعلّق باستماع بعض هذه الاُمور بنفس الفاضل الكامل وسخ كثير وخبث عظيم بحيث لا يقدر على تطهيرها في مدّة مديدة فكيف الطالب المستعدّ والمتعلّم المسترشد فإنّه بقبول ذلك أقرب لميل النفس بالذات إلى ما يلائمها من اللذّات ؟ ولو لم يكن زمام العقل وقيد الحكمة مانعين من ذلك لكان جميع الخلائق مبتلين بهذه البليّة . ( وإن كنت جاهلاً يزيدوك جهلاً ) لأنّ نفسك المستعدّة للشرّ تأخذ منهم الشرّ سراعاً إذ عليها بواعث من الطبع فإذا انضافت إليها تسويلات هؤلاء الشياطين الذين يوحي بعضهم إلى بعض زخرف القول غروراً تتأثّر منها سريعاً ، ولذلك قال أمير المؤمنين ( عليه السلام ) : « لا تصحب المائق فإنّه يزيّن